مجمع البحوث الاسلامية
98
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الثّاني : أنّ فرخ الطّائر يخفض جناحه لأمّه ليستعطفها لتغذيته ، فخفض الجناح يكون بين الطّرفين . والمناسب هنا الأوّل ، لأنّ الولد لا يقصد استعطاف والديه عليه ولا النّبيّ استعطاف المؤمنين . بل العطف من جانب الولد والنّبيّ ابتداء لتكفّل الوالدين والمؤمنين ، إلّا أن يراد مطلق التّواضع لهم ، جلبا لعواطفهم دون التّربية أو التّكفّل ، وهذا لا يبعد . والمعنى تواضعوا للوالدين وللمؤمنين جدّا كما بين الطّائر وفرخه من الطّرفين . والقفّال بعد أن ذكر الوجه الأوّل للتّشبيه بالطّائر وفرخه ثنّاه بوجه آخر ، وهو أنّ الطّائر إذا أراد الطّيران والارتفاع نشر جناحه ، وإذا ترك الطّيران خفض جناحه ، فصار خفض الجناح كناية عن فعل التّواضع من هذا الوجه . وفيه أوّلا : أنّه - كما قال البروسويّ - لا يناسب المقام فإنّ خفض الجناح صار كناية عن التّواضع دون ترك الطّيران ، وثانيا : أنّ ترك الطّيران ليس فيه تواضع ، وثالثا : لا علاقة بينه وبين الذّلّ الّذي جاء في ( 2 ) وسنتدارسه . 2 - جاء في ( 4 ) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ وفي ( 5 ، 6 ) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ - أو لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ - فما هو الفارق بينهما ؟ والجواب ، كما يخطر بالبال : أنّ ( جناح الذّلّ ) جاء بشأن النّاس للوالدين ، ولا مانع من تذلّل الإنسان لوالديه عند تواضعه لهما ، فإن حقّهما عليه تالي حقّ اللّه تعالى ، فقد جاء الأمر بالإحسان إليهما عقيب النّهي عن الشّرك في آيات ، مثل : أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً الأنعام : 151 ، أمّا اخْفِضْ جَناحَكَ فهي خطاب للنّبيّ بشأن المؤمنين ، والمناسب فيه التّواضع دون الذّلّ ، فإنّ التّواضع منه عليه السّلام للمؤمنين خصلة حسنة تجلب النّاس إليه ، أمّا الذّلّ فلا يحسن لأحد إلّا للّه وللوالدين . ونحن لا نوافق الطّبرسيّ في قوله : « والمراد بالذّلّ هاهنا اللّين والتّواضع دون الهوان . . . » أخذه من قول العرب لمن وصفه بالسّهولة وترك الإباء : « هو خافض الجناح » وعلى قوله لا يبقى بين التّعبيرين فرق إلّا شدّة المبالغة في « جناح الذّلّ » دون « خفض الجناح » ؛ بل الصّواب قول القرطبيّ : « التّذلّل لهما تذلّل الرّعيّة للأمير والعبيد للسّادة ، كما أشار إليه سعيد بن المسيّب ، وضرب : خفض الجناح ونصبه ، مثلا لجناح الطّائر حين ينتصب بجناحه لولده » . 3 - قدّم ( لهما ) في ( 4 ) وأخّر ( للمؤمنين ) و ( لمن تبعك ) في ( 5 و 6 ) تخصيصا للوالدين ، ومبالغة في خفض الجناح لهما . 4 - إضافة ( جناح ) إلى ( الذّلّ ) فيها مبالغة في مبالغة ؛ إذ خفض الجناح - والجناح رمز القوّة - كسر للقدرة والعزّة ، وإضافته إلى الذّلّ كسر له ثانيا ، فهنا اختصاص آخر للوالدين ، ذكرهما المصطفويّ . 5 - هذه الإضافة بيانيّة على قول شبّر ، أي جناحك الذّليل ، وبيانه ما جاء في كلام الآلوسيّ نقلا عن الكشف : « أنّ في الكلام استعارة بالكناية ناشئة من جعل الجناح الذّلّ ثمّ المجموع - كما هو مثل - غاية التّواضع ، ولمّا أثبت لذلّه جناحا أمره بخفضه تكميلا . . . » .